فخر الدين الرازي
587
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ويتعصف « 1 » غيظا وغضب فطارت منه ( شعلة في الأرض وشعلة ) « 2 » في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه . وأقول لعل السبب في هذا المجاز أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب والدم عند الغليان يصير أعظم حجما ومقدارا فتتمدد تلك الأوعية عند ازدياد مقادير الرطوبات في البدن ، فكلما كان الغضب أشد كان الغليان أشد ، فكان الازدياد أكثر ، وكان تمدد الأوعية وانشقاقها وتميزها أكثر ، فجعل ذكر هذه الملازمة كناية عن شدة الغضب ، فإن قيل : النار ليست من الأحياء ، فكيف يمكن وصفها بالغيظ قلنا الجواب من وجوه أحدها : أن البنية عندنا ليست شرطا للحياة فلعل اللّه يخلق فيها وهي نار حياة وثانيها : أنه شبه صوت لهبها وسرعة تبادرها بصوت الغضبان وحركته وثالثها : يجوز أن يكون المراد غيظ الزبانية . الصفة الرابعة : قوله تعالى : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . الفوج الجماعة من الناس والأفواج الجماعات في تعرفه ، ومنه قوله : فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [ النبأ : 18 ] و خَزَنَتُها مالك وأعوانه من الزبانية أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ وهو سؤال توبيخ ، قال الزجاج : وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب ، وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : احتجت المرجئة على أنه لا يدخل النار أحد إلا الكفار بهذه الآية ، قالوا : لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا : كذبنا النذير ، وهذا يقتضي أن من لم يكذب اللّه ورسوله لا يدخل النار ، واعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصر لا يدخل النار ، وأجاب القاضي عنه بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المحذرة المخوفة ، ولا أحد يدخل النار إلا وهو مخالف للدليل غير متمسك بموجبه . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن معرفة اللّه وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع بهذه الآية وقالوا : هذه الآية دلت على أنه تعالى إنما عذبهم لأنه أتاهم النذير ، وهذا يدل على أنه لو لم يأتهم النذير لما عذبهم . ثم إنه تعالى حكى عن الكفار جوابهم عن ذلك السؤال من وجهين : [ سورة الملك ( 67 ) : آية 9 ] قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 ) الأول : قوله تعالى : قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ واعلم أن قوله : بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا اعتراف منهم بعدل اللّه ، وإقرار بأن اللّه أزاح عللهم ببعثة الرسل ، ولكنهم كذبوا الرسل وقالوا : ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ . أما قوله تعالى : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية وجهان الوجه الأول : وهو الأظهر أنه من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين الوجه الثاني : يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار ، والتقدير أن الكفار لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من الضلال الكبير ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا ، ويحتمل
--> ( 1 ) في الكشاف للزمخشري ( ويتقصف ) 4 / 136 ط . دار الفكر . ( 2 ) في الكشاف للزمخشري ( شقة في الأرض وشقة ) 4 / 136 ط . دار الفكر .